مجد الدين ابن الأثير
363
المرصع في الآباء والأمّهات والأبناء والبنات والأذواء والذّوات
ونلاحظ أن تكنية الموت بأبي يحيى هي من الأضداد ، أما سائر الكنى فهي من الأمهات ، مما له دلالة خاصة تربط الموت بالخصوبة . ويرتبط مفهوم الدنيا بمفهومي الدهر والموت ، فهي في كناها ، إلّا ما ندر ، تحمل طابع الخوف ، وربما حملت في طياتها معاني مكروهة وساقطة ، ومن ذلك : أم جثل ، وأم خنّور ، وأم درزة ، وأم غول ، وأم الفناء ، وأم قشعم ، وأم العجب . ذلك أن الجاهليّ لم يكن يؤمن بالبعث والنشور وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا ، وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ [ الأنعام ، الآية 29 ] . وذكر الأخباريون ، أن قوما من قريش ، كانوا زنادقة أنكروا الآخرة والربوبية ، أخذوا زندقتهم عن الحيرة « 1 » . وإذا كان من عادات الجاهلي تقديم القرابين والهدايا لأصنامهم ، فإن ذلك لا يعني طلب رضاها لمنحه نعيم الحياة الأخرى ، بل كان تقرّبا منها لتخفف عنه أعباء الدنيا ، أو لتمنّ عليه بالخيرات والنعم « 2 » . ويرتبط مصير الإنسان الجاهلي بقوى خفية للأرواح فيها دور مهم ، من الجن والشياطين ، والشيطان هو الخبيث عادة . لذا فقد خافها الجاهليون ، وتقربوا إليها لاسترضائها . مما جعلها في مصاف الآلهة الوثنية . وقد أشار القرآن الكريم إلى أن قريشا جعلت بين اللّه وبين الجن نسبا : وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً ، وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ [ الصافات ، الآية : 158 ] ، وأنها جعلت الجن شركاء له : وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ ، سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ [ الأنعام ، الآية :
--> ( 1 ) المحبر : 161 ، والآلوسي في بلوغ الأدب 1 : 345 . ( 2 ) جواد علي ، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام 6 : 126 .